الشوكاني
153
فتح القدير
قوله ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ) أي لا يؤمنون ولو نزلنا إليهم الملائكة كما اقترحوا بقولهم - لولا أنزل عليه ملك - ( وكلمهم الموتى ) الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم ، فقالوا لهم إن هذا النبي صادق مرسل من عند الله فآمنوا به لم يؤمنوا ( وحشرنا عليهم كل شئ ) مما سألوه من الآيات ( قبلا ) أي كفلا وضمنا بما جئناهم به من الآيات البينات . هذا على قراءة من قرأ قبلا بضم القاف وهم الجمهور . وقرأ نافع وابن عامر قبلا بكسرها : أي مقابلة . وقال محمد بن يزيد المبرد : قبلا بمعنى ناحية كما تقول لي قبل فلان مال ، فقبلا نصب على الظرف ، وعلى المعنى الأول ورد قوله تعالى - أو تأتي بالله والملائكة قبيلا - أي يضمنون كذا قال الفراء . وقال الأخفش : هو بمعنى قبيل قبيل : أي جماعة جماعة . وحكى أبو زيد لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا كله واحد بمعنى المواجهة ، فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان . والحشر : الجمع ( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) إيمانهم ، فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، والاستثناء مفرغ ( ولكن أكثرهم يجهلون ) جهلا يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب . قوله ( وكذلك جعلنا لكل نبي ) هذا الكلام لتسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفع ما حصل معه من الحزن بعدم إيمانهم : أي مثل هذا الجعل ( جعلنا لكل نبي عدوا ) والمعنى : كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من الكفار ، فجعلنا لكل واحد منهم عدوا من كفار زمنهم ، و ( شياطين الإنس والجن ) بدل من عدوا ، وقيل هو المفعول الثاني لجعلنا . وقرأ الأعمش الجن والإنس بتقديم الجن ، والمراد بالشياطين المردة من الفريقين ، والإضافة بيانية أو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والأصل الإنس والجن الشياطين ، وجملة ( يوحى بعضهم إلى بعض ) في محل نصب على الحال : أي حال كونه يوسوس بعضهم لبعض ، وقيل إن الجملة مستأنفة لبيان حال العدو ، وسمى وحيا لأنه إنما يكون خفية بينهم ، وجعل تمويههم زخرف القول لتزيينهم إياه ، والمزخرف : المزين ، وزخارف الماء طرائقه ، و ( غرورا ) منتصب على المصدر ، لأن معنى يوحى بعضهم إلى بعض يغرونهم بذلك غرورا ، ويجوز أن يكون في موضع الحال ، ويجوز أن يكون مفعولا له ، والغرور : الباطل . قوله ( ولو شاء ربك ما فعلوه ) الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقا من الأمور التي جرت من الكفار في زمنه وزمن الأنبياء قبله : أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدم ذكره ما فعلوه وأوقعوه ، وقيل ما فعلوا الإيحاء المدلول عليه بالفعل ( فذرهم ) أي اتركهم ، وهذا الأمر للتهديد للكفار كقوله - ذرني ومن خلقت وحيدا - ( وما يفترون ) إن كانت ما مصدرية فالتقدير : اتركهم وافتراءهم ، وإن كانت موصولة فالتقدير : اتركهم والذي يفترونه . قوله ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ) اللام في لتصغى لام كي ، فتكون علة كقوله ( يوحى ) والتقدير : يوحى بعضهم إلى بعض ليغروهم ولتصغى ، وقيل هو متعلق بمحذوف يقدر متأخرا : أي لتصغى ( جعلنا لكل نبي عدوا ) وقيل إن اللام للأمر وهو غلط ، فإنها لو كانت لام الأمر جزمت الفعل ، والإصغاء : الميل ، يقال صغوت أصغو صغوا ، وصغيت أصغى ، ويقال صغيت بالكسر ، ويقال أصغيت الإناء : إذا أملته ليجتمع ما فيه ، وأصله الميل إلى الشئ لغرض من الأغراض ، ويقال صغت النجوم : إذا مالت للغروب ، وأصغت الناقة : إذا أمالت رأسها ، ومنه قول ذي الرمة : تصغي إذا شدها بالكور جانحة * حتى إذا ما استوى في غرزها وثبت والضمير في إليه لزخرف فإن القول ، أو لما ذكر سابقا من زخرف القول وغيره : أي أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ) من الكفار ( وليرضوه ) لأنفسهم بعد الإصغاء إليه ( وليقترفوا ما هم مقترفون ) من الآثام ، والاقتراف : الاكتساب ، يقال خرج ليقترف لأهله : أي